لم يعد أمام أي من المهمومين بالشأن العربي العام إلا البكاء على ما انسكب من بقية من حياء، كنا لا نزال نراهن على بقائه في الدماء العربية؛ وكثيراً ما كانت فترات النعاس السياسي الاختيارية متيحات فرصاً،

 ولو ضؤلت، للهروب من الواقع المخزي الذي جرتنا إليه سياسات الخذلان القومي، والركون في بلاهات بعضها اتخذ شكل المبادرات إلى تسليم الإرادة الوطنية في معظم أقطار الوطن، الذي كان كبيراً، إلى الكاهن الأمريكي في معابده الزائفة، ورسالاته المنسوبة زوراً إلى الإنسانية وطموحاتها في سلام ورخاء.
وكثيراً أيضاً ما مثل الخلود إلى نومٍ اختياري أيضاً، طال أم قصر، بعيداً عن الاشتباك الحاد مع مفردات الصراع العربي- الإسرائيلي، راحة لعدد من الأنظمة اتقاء لمواقف قد لا ترضي الجماهير، وتهرباً من تحمل تبعات قضية العرب الكبرى في فلسطين المنكوبة ببعض أهلها وبعض من يعلنون دفاعهم عنها أكثر من نكبتها على أيدي مغتصبيها.
تاجر من تاجر، وصرخ من صرخ، وفي كل تجارة ومع كل صرخة، تفقد القضية بعضاً من دمائها؛ حتى كادت تتحول جلداً على عظم، كما يقال لدى القصابين، فيما ينعم قصابو السياسة بما احترفوه من حيل ديبلوماسية بالسعي لفصل الجلد عن العظم، فلا تبقى للضحية أي صلة بعالم ما قبل الذبح الذي تفننوا به، وسط احتفالاتهم ومؤتمرات قممهم. وتم به اختزال القضية الكبرى في الضفة الغربية، ثم في القدس، ثم في المسجد الأقصى، وربما في غدٍ يجتمع العرب الأشاوس دفاعاً عن قبة الصخرة، أو مجرد قطعة خشبية في منبر المسجد ليحتفظوا بتصفيق الجماهير ودعاء الكهنة.
ولأني واحد ممن لا يستسلمون بسهولة لدعاوى الأمل التي يعبئ بها قادة الرأي من السياسيين والإعلاميين والأكاديميين صفحات جرائد معظمها امتهن الكذب واحترف الخداع، ولأني من المؤرقة قلوبهم وعقولهم بما أصاب أمتنا على أيدي تجار السياسة والدين، فإني لا أستطيع أبداً الركون إلى راحة مؤقتة تقدمها لي انتعاسة اختيارية تسلمني إلى أحلام يقظة كالتي تملأ دكاكين الوعي العربي، فأفكر في استعادة قريبة للقدس السليبة، أو عودة للاجئين عبر الأمم الملتحدة ـ نعم الملتحدة ـ أو أخلد لنوم مريح على أسرة بني نفط، أو حصائر بني قحط، فلا علاج أرتجيه لأرَقي، ولا برء أنتظره من الأدواء السياسية العربية الراهنة، لكنّ شيطاناً لعيناً يخايلني بين الحين والآخر، ويقدم لي نصائحه المدمرة غير مدفوعة الأجر، تمثل هذه المرة في صورة أمل تراقص على شاشات التلفازات الدولية، بهيئة مبادرات نفطية وغير نفطية، تدعو الكيان الغاصب لتسليم ما اغتصبه وله الشكر، والمودة اللائقة بوفائه لإخوانه من الكيانات العربية، وقفزت إلى شاشة وعيي تلك اللواهث والرواكض واللواهف على تطبيع العلاقات مع دولة الكيان المغتصب، والجلوس سراً وعلانية مع الصديق الحبيب «نتنياهو»!
قفزتُ فرحاً قفزة «وجدتها» ووجهتُ بوصلة الفكرة كلها باتجاه حل لن يكلف عباقرة التحليل ومحترفي الأدلجة في معاملنا السياسية شيئاً كثيراً، وذلك بدعوة هذا الـ «نتنياهو» لاجتماع عاجل في مقر جامعة الدول العربية التي تفتش عن هويتها في ركام مؤتمراتها المتوالية من دون فائدة، وليعلن بنو نفط وبنو قحط انضمام دولة الكيان الغاصب للجامعة العاشقة، وتالياً نسلم ملف القضية إلى واحد منا، فإن سأل أحدهم عن فلسطين قيل له: فلتسأل الأخ «نتنياهو»، وإذا بكى أحدهم غياب القدس تفضل الأخ «نتنياهو» بمسح دموعه مطمئناً: في الحفظ والصون يا أخا العرب.. وهكذا.. راحة للجميع يتم تنصيب الأخ «نتنياهو» أميناً عاماً للجامعة العربية فهو خير من يصون الأمانة!
أخزاك الله أيها الشيطان .. أإلى هذا الحد هانت عليك قضيتي؟ أإلى هذا الحد أسلمتني؟. لا لانتعاسةٍ اخترتها ولا حلم يقظة، بل إلى كابوس قاتم؟، ووجدتني (أنتفض) صارخاً: اللهم اخزِه هذا الشيطان واهدِ قومي إنهم لا يعلمون!
 لا يزال الشيطان اللعين يرددها أمامي بوقاحة سياسي مرتشٍ، أو محلل استراتيجي داعر، أو كاتب سلطان رقيع: دعكم من المؤتمرات والمبادرات واللجان واجتماعات الملك والأمير والرئيس والشيخ والقس.. دعكم من المقاومة.. من كل أشكال النضال، و«ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» وكل هذه العبارات التي لم تفلح في استعادة القدس؛ فنحن دعاة سلام، لا حرب، حريصون على حسن الجوار والمعاشرة، والحل الحل في وضع (الأمين) «نتنياهو» على كرسي لم يخلق إلا له في جامعة العرب العبرية!
كاتب مصري

أضف تعليق


كود امني
تحديث