سواء أكانت محاولة الانقلاب على أردوغان ونظامه الحاضن لقوى الإرهاب والحرب على سورية مفتعلة أم حقيقية فقد كشفت عن أمرين رئيسين:
 الأول أن وقوف أحزاب المعارضة التركية ضد الانقلاب منذ لحظاته الأولى لا يعني أبداً موافقتها على بقاء أردوغان في الحكم أو تأييد سياسته التي حشرت تركيا في الزاوية الضيقة وعزلتها عن دول الجوار وزادت مشكلاتها المتفاقمة سياسياً واقتصادياً، إنما يعني حرص هذه القوى على التغيير الديمقراطي السلمي، وعدم دفع البلاد إلى الفوضى التي لا تبقي ولا تذر.
والأمر الثاني أن ثمة صراعاً مضمراً ومعلناً، وخلافاً حاداً بدأ يتفاقم بين المؤسسة العسكرية بوصفها حارساً لقيم أتاتورك العلمانية، وأردوغان بوصفه طاغية لا رئيساً، يهيمن على مؤسسات الدولة كلها ويطبعها بطابعه الشخصي والإيديولوجي الذي يصب في أخونتها من جهة ويجردها من طابعها ودستورها العلماني من جهة ثانية.
في الأحوال كلها دقّ الانقلاب مسماراً جديداً في نعش أردوغان، مسماراً سيزيد عزلته ومشكلاته، ويدفعه إلى تضييق قبضته على الشعب والسلطة والمؤسسة العسكرية، مستثمراً في ذلك ورقة الانقلاب لتصفية خصومه العسكريين والسياسيين الأمر الذي سيضرم الصراع القائم، ويدفع به في نهاية المطاف إلى وضع حد لأحلام وأوهام وحكم السلطان الأخير من آل عثمان.
شرارة  الانقسام العمودي اشتعلت، وبذرة الفوضى أنتشت، والتهديدات لحكم أردوغان ازدادت، وهو لن يستطيع بعد اليوم مواجهة حزمة التحديات الكبيرة التي يواجهها نظامه العصبوي المتمثلة  فيما يسميه الخطر الكردي في الجنوب، وخطر الجماعات التكفيرية على كامل الأرض التركية التي تنقلب تدريجياً عليه، وخطر التفجيرات المستمرة التي أودت بالموسم السياحي كاملاً بما يشكله من أهمية بالغة للدخل القومي، وخطر النازحين الذين تاجر بهم ولم يعد في إمكانه التهرب من وعوده الكاذبة إلا بأكذوبة تجنيسهم المفضوحة التي تواجه معارضة شديدة من القوى السياسية، وخطر انهيار العملة التركية الذي وصل إلى رقم قياسي خلال ساعات!
لا يمكن لحكم  يفتقد العدالة أن يظل ناطقاً باسمها إلى ما لانهاية، ولا يمكن لحكم أن يعادي قوى سياسية وعسكرية مؤثرة في مجتمعه من دون أن يتسلل العطب إلى مفاصله، ولا يمكن لحكم يؤوي شذاذ الآفاق والمرتزقة والتكفيريين أن يسلم من شرورهم، ولا يمكن لتركيا أن تهنأ بالسلام والاستقرار ما دامت تحرم الأكراد من حقوقهم الكاملة، وما دامت تشكل حلفاً عدائياً للانقضاض على دول الجوار لنهبها وتدميرها.
مهما أطلق أردوغان من وعيد وتهديد للانقلابيين ولخصومه العسكريين والسياسيين لن يفلح في المضي بمواجهة الخطر المحدق به وبنظامه ما لم يعد النظر في علاقته بشعبه أولاً، وبسياسته العدوانية المنافقة نحو سورية والعراق ثانياً، وإجراء التسوية التاريخية مع ما لا يقل عن (18مليون) كردي يطالبون بحقوقهم في تركيا ثالثاً.

أضف تعليق


كود امني
تحديث