رحاب الإبراهيم- تشرين أونلاين

من الظلم لمنطقة ركن الدين وأهلها إدراجها ضمن مناطق السكن العشوائي، فمظاهره تغيب في معظم أحيائها الشعبية، فلا الأسلاك الكهربائية المكشوفة تشوه المنظر العام ولا الأوحال والقمامة تسود شوارعها الضيقة، وهنا تبرز بصمات الأهالي جلية ليس فقط في نظافة أحيائهم وإنما في حل معظم مشاكلهم بتعاون وتلاحم لافتين يتجسدان باحتضانهم قرابة مليون مهجر من  دون تململ مع أن هذا الرقم الضخم زاد من أزمتهم المعيشية خاصة أن معظم أهالي المنطقة من الفقراء الذين أشارت أصابعهم تصريحاً وتلميحاً إلى تقصير المعنيين في حل مشاكل خدمية متراكمة عمرها عقود، فهل ستكون هناك استجابة هذه المرة لطلبات محقة فرضت الحرب معالجتها أم إن التقصير في إنصاف مواطنين صبروا وصمدوا مع الدولة سيبقى سيد الموقف!.

 

"تشرين أونلاين" جالت في منطقة ركن الدين ضمن فريق "تشرين" الاستقصائي لرصد مشاكل وهموم أهالي المنطقة الذين عبّروا عن فرحتهم بوجود منبر إعلامي يصل من خلاله صوتهم المحق، كما يؤكد نبيل آل رشد البائع الخمسيني الذي يعرض سلعاً غذائية في محله الصغير قرب مضافة ركن الدين الشهيرة بطريقة جذابة مع وضع التسعيرة النظامية على كل سلعة فيقول فرحاً: لطالما أحببت الصحفيين وأشكر حضوركم لنقل معاناة حينا التي يعد أحد أسبابها رئيس البلدية، وهنا أرجو أن تنقلوا هذه الشكوى باسم أهل الحي جميعهم، فهو مكلف بمعالجة همومنا لكنه يعالجها من وراء المكتب، وأغلبنا لا يعرفه لكنه يعرفون فصوله الناقصة بحقنا فقط".

باللهفة ذاتها تعبر سيدة ثلاثينية عن ابتهاجها بلقائنا وخاصة أنها تقطن في أعلى الجبل، حيث المعاناة الأقسى للأهالي فتقول: كل عام نعيش المأساة نفسها حينما يبدأ فصل الشتاء حيث نكون عرضة لمخاطر انزلاق التربة وانجرافها، ما يتسبب في حصول وفيات وإصابات مع أضرار كبيرة تلحق بالمنازلمن  دون مقدرة لنا على إصلاحها، ولكون أغلب أهل المنطقة من الفقراء، وهو ما يجعلنا نشعر بعدم الاستقرارمن  جراء هذا الوضع المأسوي.

 

معاناة وأوجاع عمرها عقود 

دقائق قليلة عند الصعود إلى المنازل في أعلى الجبل كفيلة بمعرفة حجم المعاناة الإنسانية التي يقاسيها أهالي حي ركن الدين، فالمنازل المحفورة في سفح جبل قاسيون والمتداخلة مع تجاويف الجبل تجعلهم تحت رحمة انجراف التربة والفيضانات المتكررة طوال فصل الشتاء، وهنا تتحدث سيدة مقيمة في أعلى الجبل عن معاناتها فتقول: أقيم في هذه المنطقة منذ 23 عاماً عهدت خلالها حصول اجتياح سيول الأمطار لحاراتنا الشعبية أكثر من مرة، ما يتسبب في حصول وفيات وإصابات وتهدم البيوت كلياً أوجزئياً، لكن المشكلة أننا نعيش على الوعود في إنقاذنا من هذه الوضع المتردي من  دون تلمس أي شي جدي يعطينا الأمل في الخلاص".

سيدة أخرى تروى قصصها المؤلمة مع تهدم بيتها عند هطول الأمطار العام الماضي فتقول: تعرض ابني الكبير للإصابة من جراء انهدام جزء من بيتي بسبب الأمطار الغزيزة التي أدت إلى تضرر الكثير من المنازل في حينا بعد حصول انهيار في التربة من الجبل، وهذا واقع يتكرر كل عام تقريباً، ما يزيد واقعنا المعيشي سوءاً في ظل الفقر الذي يعانيه أهل الحي بشكل يصعب عليهم إصلاح أضرار تتكرر ربما أكثر من مرة في العام الواحد من جراء الفيضانات، وحتى لو كانت هناك قدرة واستطعنا تجاوز الأضرار المادية فهل يمكن مثلاً تجاهل خطرها الداهم و تهديده سلامة وصحة أطفالنا وأهلنا".

مواطن آخر طالب بحل جذري لهذه الكارثة عبر قوله: منطقتنا تتموضع على عدد من التجاويف والمغارات بشكل يجعلها عرضة للانهيار نتيجة الأمطار والثلوج، ما يعرض 300 عائلة تقريباً للمخاطر سنوياً، وقد وعدونا أكثر من مرة بتأمين السكن البديل، لكن  لم ينفذ شيء حتى الآن، فإذا كان هناك عجز في تحقيق ذلك لتبن عوضاً عن ذلك جدران استنادية لحماية المنازل الواقعة في سفح الجبل.

وإذ كانت الأمطار قد تركت آثارها السلبية شتاء في نفوس الأهالي بما خلفته وراءها من أضرار في الأرزاق والأبدان، فإن أكوام النفايات المتراكمة خلف الجبل لا ينجو الأهالي من أخطارها صيفاً ولا شتاءً، ليزيد "نهر يزيد" الواقع في وسط ركن الدين وجعهم وجعاً آخر بعد أن أصبح بؤرة للأمراض والأوبئة من شدة تلوثه، وعن ذلك تتكلم أم وليد فتقول: لا شك في أننا أفضل حالاً من بقية مناطق السكن العشوائية، لكننا نتفوق عليها بخطر التعرض للأمراض والأوبئة بسبب أكوام النفايات المتراكمة ونهر يزيد، الذي يفترض أن يكون مصدراً لخير الأهالي وليس بؤرة للأوساخ والنفايات والقوارض،  ما يتسبب في ظهور الكثير من الأمراض والأوبئة، فاليوم الكثير من الأطفال مصابون بالربو والأمراض الجلدية.

 

 

مظلة ..ومركز ثقافي

بداية جولتنا كانت من مدرسة ابتدائية "المجاهد أحمد الملا" وهي بيت عربي مؤلف من طابقين مكشوف بشكل يعرض التلاميذ لبرد الشتاء القارس ويبقهم ضمن صفوفهم دوماًمن  دون الخروج إلى الباحة كما تشير  أحد المدرسات فتقول: المدرسة مستأجرة، وقد طالبنا مرات عديدة وزارة التربية بإقامة مظلة للوقاية من المطر على وجه الخصوص، فالدرج في الطابق الثاني عال جداً بالنسبة للتلاميذ الصغار، حيث نخشى عليهم من السقوط عند النزول لقضاء حاجاتهم، لذا ما نريده فقط هو مظلة أسوة ببقية المدارس، إضافة إلى بناء مرحاض في الطابق الثاني كيلا يضطر الطلبة إلى النزول إلى الأول حرصاً على سلامة التلاميذ، وهذا بالإمكان تحقيقه بسهولة لكن على الأغلبً يتم الجواب على طلبنا بالرفض بحجة أن المدرسة مستأجرة، علماً بأننا نطالب بذلك منذ زمن طويل جداً، فأنا مثلاً لدي خدمة في هذه المدرسة 18 عاماً، واقع المدرسة على حاله لم يتغير أبداً".

يختلف مستوى الخدمات في مدارس ركن الدين، ففي مدرسة "أحمد الأومري" يختلف الأمر كثيراً، والمدرسة عموماً سميت بهذا الاسم نسبة إلى الشهيد أحمد أومري الذي استشهد حينما رفضت حامية مجلس الشعب عام 1945 إنزال العلم السوري ورفع العلم الفرنسي، فما كان من المحتل الفرنسي إلا إعطاء الأوامر بقصف مبنى البرلمان بالدبابات والمدفعية.

مدرسة الشهيد أومري مجهزة بكل مستلزمات العملية التعليمية، ومصممة بطريقة تشجع التلاميذ على الدراسة والتفوق لناحية نظافة البناء ومساحته الواسعة والرسومات الجميلة المبنية على جدران المدرسة مع وجود باحتين كبيرتين، والأهم وجود طاقم تدريسي مؤهل ويمتلك خبرات واسعة ضمن المجال التعليمي، إضافة إلى توفير متطلبات التدفئة طوال فترة الدوام المدرسة النظامي، علماً بأن هذه المدرسة تعد مركزاً رئيساً لنشاطات فعالية "بكرا لنا"، كما تضم المدرسة مسرحاً يقام على منصته نشاطات ثقافية وفنية واجتماعية، ما يجعلها مؤهلة لتكون مركزاً ثقافياً بامتياز خاصة أن منطقة ركن الدين العريقة لا تمتلك مركزاً ثقافياً بشكل يطرح إشارات استفهام حول عدم إقامته خاصة أنها تضم عدداً كبيراً من السكان وتمتلك تنوعاً ثقافياً وحضارياً وفكرياً يفرض وجود مثل هذه المراكز المهمة.

 

غلاء ولكن..

نمضي إلى وجهتنا الثانية وسط جو من الهدوء المحبب الذي  يعم المنطقة، قد يكون سببه أن اليوم كان في أوله وأن الموظفين أصبحوا في المؤسسات التي يعملون فيها والطلبة في مدارسهم، نصل إلى إحدى مؤسسات التدخل الإيجابي لمعرفة واقع الأسعار ودورها في التخفيف من وطأة الغلاء على الأهالي، ليخبرنا فواز العز مدير إحدى صالات الاستهلاكية البالغة عددها 4 في المنطقة أن الأسعار أقل ما بين 10-30% من السوق حسب كل مادة.

لا تتفق مع وجهة نظره سيدة قدمت مع أولادها إلى الصالة لتؤكد لنا على عجل أن الأسعار مقبولة نوعاً ما لكنها متقاربة مع السوق إلى حد كبير إلا بعض السلع التي نلحظ انخفاضها الطفيف عن مثيلاتها خارجاً"، نغادر الصالة فيتنفس مدير الصالة الصعداء خاصة أن الصحفيين أمطروه بوابل من الأسئلة لم يعتدها سابقاً.

وعموماً بعد رصد سريع لواقع الأسعار في أغلب أحياء منطقة منطقة ركن الدين الشعبية يتبن وجود غلاء كبير في أسعار معظم السلع لا يقدر أهل الحي الفقراء على تحمله لكن الأسعار بالمقارنة مع نظيرتها في مناطق مدينة دمشق تعد مقبولة نوعاً ما وعلى الأخص في سوق الخضار، الذي يعد وجوده قرب نقطة انطلاق السيارات المخدمة للجبل ونهر "يزيد" مشكلة أخرى يعانيها الأهالي.

 

شرايين الحي

لم ننتظر طويلاً لنسمع أصوات الصخب والضوضاء عند المرور في عقدة حيوية عند الشارع العام المتمثلة بسوق الخضار وكراج انطلاق السيارات "سوزوكي- السيارات الصغيرة الجديدة" التي يعتمد عليها في النقل ضمن ركن الدين نظراً لصعوبة وصول وسائل النقل العامة إلى أعلى الجبل بسبب ضيق شوارع الحي وتعرجاتها وحفرها الكثيرة.

في هذا الشريان المهم تبرز قضايا إشكالية كثيرة على السطح مع أنها ليست بجديدة لكنها بقيت عالقة من دون حل منذ عقود عديدة، فالأهالي لطالما رفعوا صوتهم وطالبوا بإيجاد حلول فعلية لهذه المشاكل المؤثرة في  حياتهم سلباً من دون أن يكون هناك أي بوادر استجابة لطلباتهم المحقة.

بداية هذه الإشكالية كما يخبرنا الأهالي تتمثل بوجود سوق الخضر بجوار كراج السيارات المخدمة للحي، حيث تقول سيدة أربعينية اكتفت بالتعريف عن نفسها بـ"أم محمد": وجود سوق الخضار في هذه المنطقة يسبب مشكلة حقيقية لنا نظراً لوجود كراج السيارات بقربه ما يسبب خوفاً من وقوع حوادث معينة وخاصة إذ كان هناك أطفال، لكن المشكلة الأكبر تتمثل بوجوده قرب النهر وخاصة أن روائح كريهة تصدر منه، إضافة إلى رؤية القوارض والجرذان عند شراء الخضر بسبب الأوساخ والنفايات التي يقوم الباعة برميها فيه"، لتضيف: ما أطلبه ويطلبه سكان ركن الدين قاطبة كون الوجع عاماًهو نقل سوق الخضر إلى مكان آخر يكون بعيداً عن الكراج ما دامت لا توجد نية لمعالجة مشكلة النهر جذرياً عبر تنظيفه ومنع رمي الأوساخ فيه.

نسألها عن الأسعار في السوق والحي عموماً فتؤكد أنها مقارنة مع المناطق الأخرى تعد مقبولة لكنها مقارنة مع الرواتب تعد مرتفعة حتماً وخصوصاً في ظل الفقر المدقع الذي تزيده أزمة المواصلات سوءاً حيث يضطر المواطن إلى دفع 300 ليرة يومياً فقط ضمن الجبل بعد توحيد السائقين التعرفة بـ150 ليرة للشخص الواحد.

وهو ما تؤكده سيدة يبدو عليها التعب من ثقل وزن الأغراض التي تحملها بيديها، نعرف بعد التحدث معها دقائق أنها تقطن في منطقة قريبة من أعلى الجبل، نسأل عن سبب عدم ركوبها سيارات النقل المعتادة فتقول بخجل: لا مقدرة لي على دفع هذا المبلغ، فأحوالنا على قدها، زوجي يعمل في القطاع الخاص، وأنا ربة منزل رتبت أموري منذ سنوات عديدة على ألا أنزل سوى مرات قليلة في الأسبوع عند شراء لوازم البيت والحالات الضرورية فقط".

نسأل رجلاً ستينياً عند ركوبه "السوزوكي" عن واقع المواصلات في الحي فيرد بغضب بعض الشي مع ابتسامة خفيفة على وجهه قائلاً: الوضع سييء جداً، فدفع مبلغ 300 ليرة يومياً مشكلة فعلية لنا، ولكن ماذا يمكن فعله ما دام لا أحد يستجيب لنا، علماً بأن الظلم ليس واقعاً علينا فقط وإنما على السائقين أيضاً، فإذا أخذ السائق أقل من ذلك ما رح "توفي" معه أبداً وخاصة بسبب الحفر الكثيرة، التي تسبب أعطالاً مستمرة لسياراتهم".

يُخدم حي ركن الدين حوالي 70 سيارة تقريباً تتجمع في موقفها الخاص عند سوق الخضر، الذي يحمله أيضاً السائقون جزءاً من معاناتهم، فأزمة المواصلات المستعصية في ركن الدين لا تقتصر على الأهالي فقط، فللسائقون أوجاعهم أيضاً، حيث يشدد نزيه محمد أقدم سائق في الحي بعد عمله أكثر من عشرين عاماً على هذا الخط أنه لا أمل يرجي من المطالبة بإيجاد حلول لهذه المشكلة، التي نطالب بحلها منذ عقود من دون جدوى ولم تفلح أي حكومة في معالجتها بالرغم من شكوانا المستمرة، مضيفاً: منذ الساعة السادسة صباحاً أخرج لتأمين لقمة العيش التي يصعب الحصول عليها بسهولة، لذا نراعي ظروف الناس هنا ونكتفي فقط بـ150 ليرة على الشخص الواحد، وهي تعرفة عادلة، حيث أجني يومياً 2000 ليرة كحد وسطي أنفق نصفها على تأمين حاجات عائلتي والبقية لتصليح أعطال السيارات بسبب الحفر الكثيرة التي نطالب بتعبيدها لكن لا حياة لمن تنادي، محملاً البلدية وباعة الخضار المسؤولية بسبب رمي بقايا البضاعة في النهر بشكل يتسبب في ظهور روائح كريهة تؤدي إلى ظهور الأمراض، وللأسف لا وجود لأي رقابة تمنع تكرار هذه الأفعال المسيئة لأهالي المنطقة بالدرجة الأولى.

يجتمع بقية السائقين عند سؤال سائق آخر عن أزمة المواصلات، ليدلي كل بدلوه لعل وعسى تحل معاناتهم ويصل صوتهم إلى المعنيين وإن كانوا غير متفائلين بذلك، ما دفع أحد السائقين وأيده الآخرون إلى اقتراح رفع عريضة إلى محافظة دمشق التي تتهرب دوماً من مسؤولياتها بحجة عدم وجود زفت لتعبيد الطرقات كما يقول، وذلك بأن يتكفل الأهالي ومعهم السائقون بإصلاح الطرقات عبر دفع مبالغ مالية محددة، فبدلاً من صرفها على إصلاح السيارات بشكل دائم يتم جمع مبلغ معين لتعبيد الطرقات على نفقاتنا الخاصة، ولكن هل ستقبل المحافظة مقترحنا، لا أعتقد ذلك فقد اعتدنا وضعها العصي في العجلات دوماً.

 

سماسرة الخبز

على بعد أمتار قليلة تقع أفران ابن العميد، التي تتكفل بالدلالة عليها روائح الخبز الطازجة وأصوات المواطنين الصاخبة في طوابير طويلة، البعض للحصول على حاجتهم اليومية، وكثر آخرون للمتاجرة، وهنا تسارع إحدى السيدات عند معرفة أننا صحفيون إلى الشكوى ضد من يجعلها تقف وقتاً أطول من أجل المتاجرة بهذه المادة الأساسية، ترفض نسوة آخريات هذا الاتهام لكن دفاعهن المستميت عن مشرفي الأفران وكمية النقود التي في حوزتهن يكشفان عدم صحة كلامهن.

رجل خمسيني طالبنا بإيصال صوته حول المتاجرة بمادة الخبز بالقول: إن المتاجرة بهذه المادة الأساسية يعانيها أهالي الحي، فيجب مكافحة سمساسرة الخبز من الباعة والمشرفين لكونهم متفقين على المتاجرة بلقمة المواطن الفقير، إضافة إلى ضرورة تحسين نوعية الخبز، فرفع أسعاره يفترض أن نحصل على خبز بنوعية جيدة وليس العكس".

ننقل هذه الهموم إلى المشرفين على الأفران التي تتفاوت في مستوى النظافة والاهتمام بالشروط الصحية والفنية لإنتاج الخبز، حيث اشتكى الأهالي من وجود قوارض في بعض المخابز جراء عدم الاهتمام بنظافتها وخاصة أنها قريبة من النهر، وهو أمر يرفضه خالد الزعبي، الذي يؤكد وجود اهتمام كبير بنظافة الأفران لدرجة وصفها أنها "سوبر ديلوكس" ولا صحة أبداً لما يروج حول وجود القوارض والحشرات عند إنتاج الخبز، أما فيما يخص ظاهرة المتاجرة بالخبز فيرى أنها ظاهرة صعبة الحل، فدوريات الرقابة التموينية والشرطة تكافح هذه الظاهرة باستمرار لكن الباعة سرعان ما يعودون إلى الظهور مجدداً،  لذا يصعب قمعها نهائياً.

هذا الإقرار بالعجز عن مكافحة هذه الظاهرة السلبية يبررها عصام حسن مشرف بيع بظروف المعيشة الصعبة، فمعظم من يعمل بها هم مهجرون لم يجدوا عملاً آخر، لذا نعمل على مساعدتهم عبر إعطائهم ربطات إضافية، رافضاً الاتهام بوجود تواطؤ مع الباعة عبر بيعهم الخبز بسعر زائد ليؤكد أن الربطة تباع بالسعر الرسمي من  دون أي زيادة وضمن الوزن المحدد.

أكثر ما يثير الحزن عند دخول أفران ابن العميد مشهد عمال المخابز أمام بيت النار وخاصة صغار السن الذين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة، نسألهم عن أحوالهم فيتردد معظمهم في الإجابة ويكتفون بالقول "الحمد الله " خشية الطرد، فهم من دون حقوق ومعرضون للصرف من الخدمة بأي لحظة، وحده العامل نورس أبو عمار الذي يعمل منذ 22 عاماً في الفرن تجرأ ورفع صوته عالياً قائلاً: العمل في المخابز من أسوأ المهن، فلا إجازات سنوية ولا تعويضات ولا زيادات، فمثلاً رغم رفع سعر الخبز أكثر من مرة لم تطرأ أي زيادة على أجور العمال، كما إن العامل معرض للطرد من دون رحمة في حال المرض أو الإصابة حتى لو كان له 20 عاماً في المهنة" ليضيف أن تعويضات معظم العمال ذهبت مع مدير المخابز السابق، فهل يعقل أن ترهن تعويضات آلاف العمال بشخص واحد عند مغادرته المنصب، نحن لا نطلب الكثير،نطلب فقط تأميناً صحياً وطبابة في حال تعرض أي عامل للإصابة أو المرض حيث تتم معالجته ولا يتم الاستغناء عنه مع صرف كامل التعويضات، وهنا يؤكد خالد الزعبي السعي لصرف تعويضات العمال والعمل على تثبيتهم، حيث هناك كتاب موجه إلى وزارة التجارة الداخلية في هذا الشأن، كما يوجد صندوق مخصص لإعانة العمال عند التعرض لأي إصابة، وقطعاً لا يتم صرف أي عامل في حال تعرض لأي ضرر في الفرن حسب زعمه.

 

 

على عهدنا..مع سورية وقائدها

منذ بدء الأزمة القائمة تكاتف أهالي حي ركن الدين لحماية المنطقة والدفاع عنها ومنع أي شخص من الدخول إليها بغية إثارة الفوضى والفتنة لتحقيق أطماع لم ولن يجدوا مكاناً لها هنا، كما يقول المسؤول في الدفاع الذاتي المكلف بحماية أمن الحي: ولاء أهل المنطقة للوطن وقائده ولن نسمح لأي طرف كان بالإساءة لنا عبر ادعاء غير ذلك، فمنذ بداية الحرب أعلنا موقفنا ونحن على عهدنا ووعدنا، علماً بأن مسؤوليتنا الوطنية لا تقتصر على حماية منطقة ركن الدين وإنما تمتد إلى مختلف المحافظات السورية، حيث يوجد الكثير من المقاتلين المتطوعين على الجبهات يقاتلون مع الجيش العربي السوري ضد المجموعات الإرهابية المسلحة، وقد استشهد عدد من المقاتلين أثناء القيام بواجبهم الوطني ويتجاوز عددهم 250 شهيداً، إضافة إلى عدد من المخطوفين، وهذا الأمر زاد أهالي الحي رغبة في متابعة واجبهم في الدفاع عن وطنهم أسوة ببقية السوريين الشرفاء، فاليوم أغلب الشباب لديهم رغبة في التطوع في الدفاع الوطني، والرقم بازدياد يومياً للدفاع عن الوطن والزود عن ترابه".

ويضيف المسؤول الأمني: مهامنا عموماً لا تقتصر فقط على أمن الحي وإنما تتعداها إلى تأمين الخدمات للأهالي من مازوت وغاز وغيره، فأي مشكلة نقدر على حلها للأهالي لن نقصر في ذلك، لذا يمكن القول بثقة إن أمورنا بخير والمنطقة آمنة ليلاً ونهاراً، فالمحال لا تغلق أبوابها حتى وقت متأخر من الليل، وطبعاً هذا ما كان ليتحقق لولا تعاون الأهالي ومبادراتهم الأهلية في حفظ أمن الحي وتلبية حاجاته التي ازدادت بشكل كبير بعد توافد أعداد كبيرة من المهجرين، وهو أمر شكل ضغطاً هائلاً على الحي لكن استطعنا بفضل الأهالي الإمساك بزمام الأمور وإدارتها بشكل يخدم أمن الحي والمدينة عموماً.

 

أهل خير

احتضن أهالي منطقة ركن الدين قرابة مليون مهجر تقاسموا هم وأهل المنطقة لقمة الخبز والهموم، وهنا يقول أحد عناصر الدفاع الذاتي، لم يبق مكان للسكن بعد اكتظاظ المنطقة بالمهجرين من كل المناطق حتى المحال التجارية جرى استئجارها للسكن، ما أدى إلى ارتفاع أجور العقارات بشكل كبير لكن في المقابل هناك بعض الأهالي رفضوا رفع إيجارات بيوتهم وحافظوا على أسعار ما قبل الأزمة أو أكثر بقليل حتى يتمكنوا من العيش في ظل هذا الغلاء الفاحش وذلك تقديراً لظروف المهجرين الصعبة التي حاول الأهالي التخفيف منها قدر الإمكان كل بطريقته انطلاقاً من اللحمة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد.. أمر اضطلع به الأهالي بينما كان دور الجميعات الخيرية خجولاً، وهو مالم يلق قبولاً لدى طارق قداح  رئيس جميعة ركن الدين الخيرية التي تعد الأقدم في المنطقة والأفقر الوقت نفسه وسط غلبة كبار السن على إدارتهامن دون لحظ وجود كوادر شابة،  لكن قداح أكد وجود ثلاثة  من المتطوعين الشباب فقط على أن يتم تطعيم  الجمعية بهذه الكوادر مستقبلاً لكونها الأقدر على التواصل مع الجهات والوزارات المعنية بالملف الإغاثي والإنساني علماً بأن وجود كبار السن والكلام لـقداح كان له دور كبير في تنظيم العمل وإيصال المساعدات في وقتها إلى المستحقين، لذا لا يجب التقليل من أهمية الجمعية، التي لا تزال تعمل بشكل يومي منذ إنشائها عام 1975 وتقدم مساعدات شهرية هي  مواد غذائية ورواتب شهرية لأهالي الحي وسكانه من الفقراء والأيتام والأرامل والمطلقات، أما المهجرون فالجمعية تلعب دور الوسيط فقط لتوزيع المعونات لهم في مقرها.

في مقر الجمعية التقينا سيدة ثلاثينية مهجرة من منطقة دوما أتت إلى التسجيل للحصول على أي معونات إغاثية لأهلها فتقول: "أحصل عادة على سلة غذائية كاملة من الجمعية كل شهرين تقريباً لعائلتي لكن اليوم أتيت من أجل التسجيل لأهلي بعد تهجيرهم للمرة الثانية من أجل مساعدتهم في التخفيف من حدة غلاء المعيشة الحاصل، فاليوم ندفع إيجار بيت 25 ألفاً ولا يوجد راتب محدد بعد فقد زوجي وظيفته في القطاع الخاص، لذا هذه المعونات كما يقال بحصة بتسند جرة، وتعامل الجمعية معنا جيد وسريع نظراً لعدم وجود عدد كبير من المهجرين لديها يتقاطرون للحصول على المعونات".

 

التقنين ...واقع عام

آلف أهالي سكان ركن الدين واقع التقنين الصعب، كونه وضعاً عاماً ينطبق على كافة المناطق جراء الحرب القائمة والإرهاب الذي فرض فرضاً على السوريين، وهنا تؤكد أحد السيدات عند لقائها في أحد المحالات التجارية: واقع الماء والكهرباء جيدة ومؤمنة عموماً لكنه هناك تقنين مفروض بحكم الإرهاب الحاصل، ما يتوجب تحمل سوء هذه الخدمات ريثما تنتهي هذه الحرب اللعينة، لتشير إلى وجود إشكالية في انقطاع الكهرباء خارج فترة التقنين، وحينما نطالب الطوارئ في إصلاح الأعطال يكون هناك تأخير في ذلك.

هذه الشكوى وغيرها نقلناها إلى رئيس مركز طوارئ ركن الدين قصي بوظو، الذي عزا أسباب التأخير في تلبية بعض طلبات الإصلاح إلى برنامج التقنين، إذ لا يمكن إصلاح أي عطل إلا عندما تكون الكهرباء متوافرة، وساعتان حسب زعمه غير كافيتين لتغطية جميع الأعطال في الأحياء المتفرقة، إضافة إلى وجود نقص في عدد عمال المركز في وسائل النقل، إذ لا يملك المركز سوى سيارة واحدة ولا يتجاوز عدد عماله العشرة، الأمر الذي يزيد من التأخير في إصلاح الأعطال المتكررة التي يعود سببها في معظم الأحيان إلى حجم الاستجرار الهائل وغير المشروع من قبل بعض الأهالي، مطالباً في تأمين سيارة ثانية إضافية من أجل السرعة في إصلاح الأعطال

 

 مضافة الحي

اختتمنا جولتنا بمضافة الحي الشهيرة التي يعود تاريخها إلى مئة عام تقريباً، حيث بناها أهل منطقة ركن الدين لغاية اجتماعية نبيلة هي إصلاح الحال وردم الخلاف بين الأهل عبر محاولة حل مشاكل أبناء المنطقة وإيجاد حلول ترضي كل الأطراف، كما تستقطب المضافة من لا يجد مكاناً ينام فيه لحين تأمين مأوى مناسب له.

تصوير: طارق الحسنية- وائل خليفة

أضف تعليق


كود امني
تحديث