إذا ما نبشنا في كتب التاريخ سنجد أن الألعاب الأولمبية غائرة في عمق التاريخ حتى أن بداياتها تعود إلى ما قبل الميلاد بنحو 1500 عام.. حكاية الأولمبياد مرتبطة ارتباطاً جذرياً بحكايات التاريخ الإغريقي وحكايات متعددة حول الآلهة والأبطال.
من هنا نجد أن لا تاريخ محدداً يمكننا الاستناد إليه، بل مجموعة من القصص لكن المعترف به حول البداية المكتوبة الأولى للألعاب تعود للعام 776 قبل الميلاد، حين اجتمع ملوك اليونان واستشاروا كهنة المعابد، فأطلقوا الألعاب التي كانت تتخذ قبل ذلك التاريخ أبعاداً دينية وروحية تكريماً للآلهة.

أهداف إنسانية
إلى جانب تمجيد الآلهة وفقاً لمعتقدات ذاك الزمان وجد حكام بلاد الإغريق التي كانت مقسمة إلى ولايات متحاربة ذات استقلال سياسي واقتصادي، في فكرة الألعاب الأولمبية ضالتهم المنشودة من أجل لمّ شمل المقاطعات الإغريقية وإعلان الهدنة ووقف الاقتتال، فكان ذلك المهرجان الرياضي الذي دأب اليونانيون على إقامته كل أربعة أعوام.
وأطلق على هذه الأعوام اسم أولمبياد، وهي كانت بمثابة مقياس زمني لدى قدماء اليونان، فكان الزمن يقاس بالأولمبياد وليس بالسنين، ويرمز الأولمبياد إلى الفترة التي انقضت بين دورتين متتاليتين.
وكانت الاحتفالات تقام على جبل أولمبيا المقدس عند قدماء اليونان غرب جزيرة بيلوبونيسس، في استاد ضخم يتسع لأربعين ألف متفرج، حوله مبان شيدت تباعاً استعملها الرياضيون للتدريب والحكام مقاراً لهم، وخلالها كان يعم الإخاء اليونانيين فيتوافدون بأعداد كبيرة للمشاركة في الحدث الجلل الذي كانت له أبعاد أخرى أبرزها تكريم كبير الآلهة زوس.
ولم يكن مسموحاً أثناء سير الألعاب أن يحدث أي اقتتال بل كانت الهدنة إلزامية مقدسة وشاملة، وكان يعاقب كل من يحاول عرقلة سير الألعاب أو إعاقة وافدين للمشاركة، ففي ذلك تجاوز إلهي بمفاهيمهم.

تغييرات وشروط
شهدت الألعاب بعد ولادتها تغييرات عدة فكانت في البداية تقام ليوم واحد ثم أصبحت تجري على مدار خمسة أيام بعد أن ذاع صيتها فزاد المشاركون من اليونانيين المغتربين في مناطق بعيدة مثل إيطاليا وسواحل أفريقيا، واشتملت مسابقاتها الرياضية التي زادت تدريجياً على الجري ورمي القرص والرمح وسباق الأحصنة والعربات والمصارعة وسباق الدروع، ولم يكن مسموحاً للمرأة أن تحضر المنافسات خاصة أن بعض الرياضات كالمصارعة تجري بين رياضيين عراة، لكن امرأة وحيدة استطاعت متنكرة حضور الاحتفالات وكانت أماً لأحد الأبطال، فلم تعاقب نظراً لأن العديد من أفراد عائلتها أبطال، وللبطل مكانة عظيمة لا تمس.
المشاركون الذين كان يسمح لهم في خوض المسابقات كان عليهم أن يتحلوا ببعض الصفات، أبرزها أن يكون الرياضي حراً، أي غير عبد وأمضى عشرة أشهر في التدريب قبل الاشتراك، كما يشترط أن يتمتع بسيرة حسنة وسلوك حميد بين أوساط شعبه وأن يكون عضواً في المجتمع السياسي فذلك يزيد من مكانته، ويفترض بالمشارك أن يتعهد بعدم خرق الهدنة المقدسة تحت أي سبب كان.
لكن، وبصورة عامة كان هنالك بعض الاستثناءات من ناحية المشاركين تمنح في أطر معينة يؤذن لها من السلطات، وكان المشارك يحضرإلى مكان الألعاب قبل شهر من بدايتها، حيث يخضع لفحوصات تشمل التأكد من جذوره اليونانية، ومن توافر سائر الشروط فيه، وطبعاً لم تكن المرأة مخولة بالاشتراك.

طقوس
لعل ما ميز الألعاب الأولمبية في بداياتها التنظيم العالي الذي شهدته، فكانت الوفود تأتي بأعداد كبيرة جداً تضم خيرة رجالات الولاية من حكام ورياضيين ومفكرين وفلاسفة وكهنة وساسة ونبلاء وكان لكل وفد تراتبيته الهرمية والتنظيمية، وكان يحرم كل رياضي يغش من المشاركة مدى الحياة إضافة لغرامة مالية كبيرة توظف لبناء تماثيل وأخرى بدنية، وكانت الوفود تنطلق قبل ثلاثة أيام من بدء الألعاب من مدينة إليس، باتجاه أولمبيا ويترأس الموكب الكبير ملك إليس وحكامها.
البرنامج الأولمبي المعد سلفاً كان يتضمن خمسة أيام، ففي اليوم الأول تقام الطقوس الدينية المتنوعة والصلوات واستعراض القضاة وتقديم الهدايا للمعبد والقسم الرياضي، وفي اليوم الثاني تبدأ المنافسات منذ الصباح، وتقام مسابقات الملاكمة والجري لمسافات مختلفة، مثل الجمنازيوم مرة أو اثنتين أو أربع والمصارعة، وفي اليوم الثالث تجري سباقات العربات والخيول ومسابقة البنتاتلون، وتشمل رمي الرمح ورمي القرص والوثب والجري والمصارعة، وفي اليوم الرابع تقام احتفالات دينية لأنه يتزامن مع اكتمال القمر وتقام مسابقات عدو لمسافات متنوعة وملاكمة واختبارات للقوة عبارة عن نزالات شرسة جداً من دون السماح بالقتل، أما اليوم الأخير فيشمل ابتهالات دينية وتقديم قرابين للإله زوس.

جوائز
بعد نهاية المسابقات يتم توزيع الجوائز على الفائزين، فبعد أن كانت تفاحة في البداية باتت غصن زيتون على شكل إكليل يوضع على رأس الفائز، إضافة لامتيازات شرفية عوضاً عن احتفالات الولاية بأبطالها وتمجيدهم لدرجة تفوق الوصف، حيث إن الفوز كان أقصى وأشرف ما يمكن تحقيقه عند اليونان الذين استطاعوا تنظيم 293 دورة أولمبية على مدار 1169 عاماً، منذ سنة 776 ق.م حتى سنة 393 ب.م تاريخ توقيف هذه الألعاب على يد الأمبراطور الروماني ثيودوس، بعد أن سيطر الرومان على اليونان حيث عدّ الإمبراطور هذه المهرجانات عادات وثنية، منهياً تاريخاً عريقاً من الحضارة والتميز، بقي مدفوناً حتى جاء البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان وبعثه مستلهماً منه البعد الإنساني والأخلاقي والوحدوي.

أضف تعليق


كود امني
تحديث